في تقديري الشخصي، تقف موريتانيا اليوم أمام فرصة تاريخية نادرة لإعادة تنظيم حياتها السياسية بطريقة أكثر نضجا وفعالية، وذلك من خلال اتفاق جميع الأحزاب على الاندماج في إطار حزبين كبيرين فقط. هذا التوجه، في نظري، لا يمثل تراجعا عن الديمقراطية، بل هو خطوة متقدمة نحو ترسيخها على أسس أكثر قوة واستقرارا، وأعتقد أن الظرف الراهن لم يكن يوما أكثر ملاءمة للإقدام على هذا الخيار الجريء.
لقد أثبت الواقع الموريتاني، شأنه شأن كثير من التجارب الأفريقية والعربية، أن كثرة الأحزاب لا تعني بالضرورة قوة سياسية أو عمقا ديمقراطيا، بل قد تؤدي في أغلب الأحيان إلى التشتت وإضعاف القرار الوطني. فالمواطن يجد نفسه أمام عشرات الكيانات التي لا تكاد تتمايز في برامجها ولا في رؤاها، فيتحول المشهد السياسي من ساحة للتنافس الحقيقي إلى مجرد ضجيج انتخابي يرهق الإرادة الشعبية دون أن يعبر عنها. والأخطر من ذلك أن هذه الكثرة أفرزت ظاهرة الحزب “الشخصي” أو “الجيبي”، الذي لا يمثل تيارا فكريا حقيقيا، بل هو في الغالب أداة للوجاهة الاجتماعية أو المساومة السياسية. وهنا يكمن الخطر الحقيقي على الديمقراطية، لا في قلة الأحزاب بل في غياب المعنى عنها.
إن وجود حزبين كبيرين فقط من شأنه أن يحدث وضوحا سياسيا حقيقيا يفتقر إليه المشهد الراهن. فعندما يحكم حزب واحد، يكون الشعب قادرا على تقييم أدائه بموضوعية ومحاسبته بوضوح، لأن المسؤولية لن تتوزع بين أطراف متعددة يحمل كل منها الآخر الإخفاق. وعندما يعارض الحزب الثاني، فإنه يقدم بديلا برنامجا حقيقيا، لا مجرد صوت احتجاجي وسط فوضى التنافسات الصغيرة. ذلك أن النظام الثنائي يرسخ ثقافة التداول السلمي على السلطة، إذ يعلم الناخب أن الاختيار أمامه واضح، ويعلم السياسي أن مسيرته مرتبطة بثقة قاعدة شعبية واسعة لا بقيادة تنظيم ضيق. وهذا بحد ذاته تدريب عميق على الديمقراطية الناضجة.
وإلى جانب وضوح المشهد، فإن اندماج الأحزاب الصغيرة داخل حزبين كبيرين لن يكون مجرد اتحاد تنظيمي، بل سيكون فرصة حقيقية لتجميع الكفاءات والخبرات السياسية التي تبقى اليوم موزعة ومحدودة التأثير. فالكفاءة التي تضيع في إدارة حزب من بضع أفراد يمكن أن تصبح رافدا فاعلا في صناعة سياسات وطنية حين تنضم إلى مؤسسة حزبية كبرى. علاوة على ذلك، فإن الأحزاب الكبيرة تجبر على بناء هياكل مؤسسية حقيقية، من مراكز بحثية وأجنحة شبابية ونسائية ومنظمات موازية، مما يُحول الحزب من مجرد آلة انتخابية إلى حاضنة للفكر السياسي والتكوين القيادي على المدى البعيد.
ولا يمكن إغفال البعد التنموي في هذا السياق، إذ لا يمكن لدولة تسعى إلى التنمية أن تحقق تقدما حقيقيا في ظل تعدد الولاءات الحزبية الضيقة وتضارب المصالح. وموريتانيا، بما تمتلكه من ثروات طبيعية واعدة وموقع جيوسياسي متميز، تحتاج إلى استقرار سياسي صلب يُحول هذه الإمكانات إلى مشاريع تنموية مستدامة. إن النظام الثنائي سيجعل التنافس قائما على البرامج والرؤى لا على الشخصانية والانقسامات الضيقة، بل إنه سيضطر كل حزب إلى مخاطبة الطيف الوطني الواسع لا شريحة فئوية محدودة، مما سيدفع تلقائيا نحو خطاب جامع بدل الخطابات المُفرِقة التي أنهكت الحياة السياسية.
وليست هذه الفكرة ترفًا نظريا معزولا عن الواقع، فالتاريخ السياسي المعاصر يزخر بنماذج ناجحة تؤكد جدوى هذا التوجه. فالولايات المتحدة والمملكة المتحدة وسواهما من الديمقراطيات العريقة بنت استقرارها على نظام ثنائي أو شبه ثنائي، وأثبتت أن التنافس الحقيقي لا يحتاج إلى عشرات الأحزاب، بل يحتاج إلى حزبين قويين متكافئين يجسدان تيارين فكريين واضحين يعكسان التنوع الحقيقي في المجتمع. وإذا كانت هذه الديمقراطيات قد وجدت في النظام الثنائي مصدر قوتها لا ضعفها، فلماذا لا تجد فيه موريتانيا طريقها نحو الاستقرار والنضج؟
في نهاية المطاف، أؤمن بأن قوة الدول لا تقاس بعدد أحزابها، بل بقدرة نظامها السياسي على اتخاذ القرار وخدمة الشعب وتحقيق الاستقرار. إن اتفاق الأحزاب الموريتانية على هذا الخيار سيكون في حد ذاته وثيقة وطنية تاريخية، تعلن أن النخب السياسية قررت أن تضع مصلحة الوطن فوق مصالحها الضيقة، وأن تؤسس لعقد اجتماعي جديد تكون فيه السياسة خدمة حقيقية لا امتيازا شخصيا. إنه خيار يعكس روح المسؤولية، ويؤسس لمرحلة يكون فيها العمل السياسي أكثر جدية وأكثر وضوحا وأكثر قدرة على بناء مستقبل قوي ومستقر لموريتانيا وأجيالها القادمة. والفرصة متاحة، والإرادة وحدها هي ما تنقصنا.
د/ختار الشيباني
أكادمي




