في حياة الأمم كما في حياة الأفراد، تظل الكلمة هي المحرّك الأول للعقول، والمفتاح الأوسع للقلوب. غير أنّ هذه الكلمة قد تتحول أحيانًا من وسيلة للتواصل إلى أداةٍ للفرقة، لا لشيء سوى أن معناها حُمل على غير مقصدها، أو فُسّر بما لم يُرِد قائلها.
كثيرٌ من الخلافات التي عصفت بتاريخ المجتمعات لم تكن وليدة المواقف، بقدر ما كانت نتيجةً للتأويل المتعسف وسوء الفهم المتكرر. فالكلمة قد تُقال في ساعة صفاء، لكنها تقع على سمعٍ مثقلٍ بالشك أو على قلبٍ مملوء بالتحفّظ، فينقلب معناها من دعوةٍ للتلاقي إلى إشارةٍ للعداء.
إنّ سوء الفهم أخطر من سوء الظن؛ لأن سوء الظن يُسيء إلى النوايا، بينما سوء الفهم يُسقط المعاني نفسها. وما يهدم المعاني يُصبح أعمق أثرًا وأطول جرحًا، إذ قد لا تمحوه التوضيحات ولا ترفعه الاعتذارات.
ولذلك فإن أعظم ما يقي مجتمعًا يريد البناء هو أن يتّسع صدره للكلمة، فيحملها على أحسن محاملها، ويسأل قبل أن يحكم، ويتريّث قبل أن يُدين. فالكلمة إذا فُهمت في سياقها الصحيح صارت جسرًا يوحّد المختلفين، وإذا أُخرجت من سياقها كانت شرارةً تفتّت الجماعة.
إنّ حاجتنا اليوم –نحن أبناء هذا الوطن– ليست إلى الإكثار من الكلام، بل إلى حسن فهم الكلام، وإلى جعل الحوار مساحةً للتقارب لا للقطيعة. إنّ أوطاننا لا تبنى بالشعارات، وإنما تُبنى بتلاقي العقول حول المشتركات، وبقدرتنا على تحويل الكلمة من أداة جدلٍ إلى أداة عمل.
فلنحرص جميعًا على أن يكون خطابنا الوطني صريحًا لا لبس فيه، راشدًا لا غوغائية فيه، رحيمًا لا قسوة فيه. ولنتذكر أن الوطن أوسع من اختلافاتنا، وأكبر من نزاعاتنا، وأنه لن ينهض إلا بسواعد كل أبنائه، مهما تباينت رؤاهم وتعددت مشاربهم.
فلتكن كلماتنا لبناتٍ في صرح الوطن، لا معاول تهدم جدرانه.