تمر وزارة التربية بمرحلة دقيقة من تاريخها، حيث تتجه الأنظار إلى خطوات إصلاحية حقيقية، لا إلى شعارات بالية؛ فالواقع يؤكد أن أي مشروع إصلاح تعليمي، مهما كانت طموحاته، سيظل ناقصا إن لم تواكبه قرارات جريئة، تعيد ترتيب البيت الإداري من الداخل.
لقد أظهر الواقع أن الجهاز الإداري لوزارة التربية يعاني من ترهل واضح، يقوده أشخاص عجزوا عن مسايرة ركب الإصلاح؛ وهو ما يفرض غربلة شاملة وسريعة، تعيد الأمور إلى نصابها، وتمنح الأولوية للكفاءة والمهنية بعيدًا عن النفوذ والوساطة.
إن الإصلاح الإداري ليس ترفا، بل هو الخطوة الأولى التي تفتح الطريق أمام إصلاح المناهج، وتطوير الكفاءات، وتحقيق الجودة المنشودة في التعليم، ومن دون هذه الخطوة، تبقى عجلة الإصلاح بطيئة، إن لم نقل متوقفة.
لقد أثبتت التجارب السابقة أن أي مسار إصلاحي يفشل حين يعتمد على إدارات مشلولة أو مثبطة للحركة؛ لذلك، فإن ضخ دماء جديدة، ومنح الفرص لأصحاب الخبرة والكفاءة، ليس خيارا، بل ضرورة تمليها المرحلة.
ولا شك أننا ندرك حجم التحديات التي تواجه كل مريد للإصلاح، من بنية اجتماعية متشابكة، وضغوط جماعات نافذة، وظروف صعبة؛ لكننا ندرك أيضا أن اللحظة الفارقة في مسيرة الإصلاح تُصنع عبر قرارات حاسمة، تتخذ في وقتها، وتستند إلى قوة الشرعية والمشروعية معا، وهو ما تعتمد عليه وزيرة التربية.
إن موريتانيا اليوم أمام فرصة تاريخية لبناء تعليم حديث، يكون حجر الزاوية في مشروع الدولة التي نحلم بها جميعا، والمرحلة المقبلة تتطلب من وزارة التربية أن تضع الكفاءة فوق كل اعتبار، وأن تجعل المحاسبة رسالة واضحة لكل من قصّر أو عجز؛ فالإصلاح لا ينتظر، والتاريخ لا يرحم المترددين، والقرارات الجريئة وحدها هي التي تصنع المستقبل.